
شهرزاد اليوم ... تبحث عن الهوة التي سحقت الأمس تحت أقدام واقعية القصص ... تستهجن كم الألم الذي يرسم أسوار كل قصة ويجعل من الحبكة صدمة للقارئ ... وتستغرب العنف بالأحداث ... وتبحث عن الحب فتجده قيمه قد استهلكت بحوارات تحمل الكثير من الزيف والكلمات المعادة والمشاعر المشوبة برغبة الجسد ... شهرزاد بحثت عن رائحة ذلك الزمن الجميل بين طيات الكتب ... فلم تجد سوى خيانة الحرف وحدة الكلمة و قباحة المعنى وانتفاء الرومانسية وانكسار الأجنحة
وتساءلت هل تغير واقعهم أم هم من تغيروا !!
هل تغيرت تلك المشاعر وأصبحت لها وجه آخر يتقن ارتداء الأقنعة وتلوين الحقائق وانحناء المشاعر أمام رغبات تشبع برخص وماديات فانية تنتهي قيمتها متى ما استحدثت غيرها
تتهادى شهرزاد لتقف أمام مرآتها ... تسدل شعرها ... وتمسح بأطراف أناملها على تفاصيل قدها الغض وخصرها الملفوف بذلك القفطان الحريري المنسدل بكل غنح على شمائلها
تتناول زجاجة عطرها فيفوح عبق أنوثتها المرسومة بتفرد على وجه تلك المرآة
وتتساءل ...
كيف تغيرت المقاييس ... وأصبح كل مكشوف مرغوب ... الم يعد للجسد حرمة .. هل انتفى لديهم قدر الغواية وحب استكشاف المجهول وراء كل ثوب منسدل .. هل بات إشباع البصر المحسوس يغني عن كل علامة استفهام تحتاج لإجابة صعبة المنال ... مما يجعل الرغبة تشتد لنولها ..
هل استغنوا عن عذب الحديث والتورية وراء كل جملة تنتهي بقافية وما يتبعها من سجع بالجملة التي تليها ... هل أرهقهم عمق المعنى فباتوا يبحثون على السطحية في كل شي .. ألم يعد لذكاء الدلال المختبئ وراء مفردات تشغل الخيال وتشعل الفكر بألف حكاية وصورة قيمة
ولماذا توارت أنوثتهن وراء غنج مصطنع ومخارج حروف معاقة ومفردات لا تمت لجمال اللفظ بصلة!!
وهل رخصت النساء بما جادت عليهم يد الرحمن .. هل باعوا أنفسهم بسوق النخاسة دون أن يكونوا جواري مباعة .. هل أصبحت الحرة هي من تعرض نفسها للبيع في زمنهم هذا
وتعود لتجلس على مقعدها الوثير يتبعها صوت حفيف قفطانها كأنه يعلن عن حضورها حتى قبل أن تحضر ...
ويطرحها السؤال على أروقة اختلاف مقاييس الجمال للمرأة اليوم وبالأمس
كيف أصبحت المبالغة بالزينة تعني جمال المنظر ... والمغالاة بإظهار ما قد ستر هو مواكبة للذوق ... والسباق المحموم لارتداء ماهو اغلي ثمنا هو رقي رغم غرابة ذوقه أو بعده أصلا عن الذوق
فما يكشف للعامة يستهلك ويصبح معتادا وتعدم قيمته ... وما يباح للكل يصبح بالتالي هو حق عام لا تستهجن استباحته ...
هل كان وجود النساء في الحرملك هو جزءا من السر وراء اهتمام الرجل بماهية المرأة وادراكه لقيمتها الفعلية أكثر ... وهل يبعث الحرمان في نفس الرجل الشوق ويؤجج المهج حبا باللقاء .. وهل يكون الإشباع بحدود هو احد مفاتيح امتداد التواصل والحرص على الصلة واشتعال الفؤاد والتفنن في وصف سر جمال المحبوبة والتغني بدلالها وعزتها ووصف القليل المباح لذلك الغارق بلهيب المحب الغير مشبع
هل لهذا تأثير عن حقيقة المشاعر وشدة العشق .. وصورة الحب التي لا زلنا نبحث عنها بين صفحات هذه القصة او تلك الرواية ... أو قصيدة قد تغنى بها شاعر محموم بذكرى معشوقته لحد الجنون
وهل كان تحرر المرأة هو السلاح الذي سفحت على حده قيمتها الفعلية كإمرأة... والمطالبة بالمساواة أفقدتها حقيقة طبيعتها واختلاف احتياجاتها و دورها بالحياة وأصبحت تعامل معاملة الند في زمن اشتدت به المعارك وكثرت
واختلف المكيال ... وأصبحت تصارع المحال حتى تصل لما وصل له الرجال .. واختل الميزان لتصبح هي المرأة الخارقة .. والقادرة على تحقيق ما لم يحققه الرجل
وتدخل السباق ... لتتغير أولوياتها
هل فهمنا التحرر والمساواة بصورة خاطئة
هل اختلطت لدينا المفاهيم وفي خضم المعركة والحرص على الفوز بالسباق أصبحنا شيئا آخر لا يمت لشهرزاد بما تحمله من معاني للذكاء الأنثوي والانتصار على سطوة الرجل بصلة
وهل تبقى شهرزاد مجرد أسطورة حبست بين طيات ألف ليلة وليلة دون استيعاب دروسها المطروحة بين السطور هناك
أنوثتها ... ذكاءها .. وحنكتها في التعامل مع الرجل
ولماذا لازال اسمها يسحر كل رجل يحلم بأن يكون شهريار
حتى لو كان لليلة واحدة