ترقرقت دمعاتي وأنا اقبل يدها
كم هي حانية تلك اليدين ... تذكرني بطفولتي ... بمهد الصبا ... بتمردي أحيانا وكيف كانت تطفئه بلمسة هادئة على رأسي
"يمه شربي ماي شوية"
تفتح عينيها ... ليتوارى تعب السنين خلف نظرة حزينة وافتقاد لم يشفى بعد
وكأني أعود بالزمن ... لأراها بقوامها الممشوق ... وأناملها الرقيقة ... تعطيها الدواء ... وتسألها إذا كانت بحال أفضل
هي من تشبهها كثيرا ... هي من كانت تبحث عن رضاها مع كل طرفة عين ... وهي من قالت لها " يمه حلليني عشان ارتاح"
اليوم هي تناديها .. ثم تدرك أنها رحلت ولن تعود .... تبكيها ... تبكي برها .. ووصلها الذي ما كان ينقطع أبدا
تهمس لي ... "شفتها بالحلم البارحة "
ابتسم لها .... "شلون"
"كانت تقرا سورة ياسين ... وقاعده على كرسي ابيض ورفييييييييع ... وثوبها مغطي أطرافها وكله مشكوك بنجوم ... يبرق"
أقاوم عبرتي
"وايد حلو الحلم"
"مرتاحة إن شاء الله .... محللتج يمه ... راضية عليج ... الله يوسع منازلج ... الله يرحمج ... الله يرضا عليج " تصمت كأنها تسترجع الذكريات
"طاوليني قرآنها"
امسك بمصحفها ... احتضنه لوهلة ... اقبله كأني اقبلها ... وكـأني اشتم رائحتها التي افتقدها حد الاختناق
تفتح صفحة سورة ياسين وتطلب مني قراءتها بصوت مسموع
يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)
....................
وكأني أراها ترددها ... وتشخص عيناها للسماء ... كأنها تبحث عن مقعدها هناك ... تعد العُدّة ليوم اللقاء.. وتتسابق الآيات على لسانها فمن كان يلقنها!!... هل هو ملك الموت ... أم رسول للرحمة قد أتاها مبشرا لها فيتورد وجهها نظارة رغم المرض ....
إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ (27)
أتوقف هنا ... التقط أنفاسي ... أتحاشى النظر إليها فقد أغمضت عيناها ... وتحرر منها ما احتبس من دموع .. وأصبح ريقي مراً وتقطعت أنافسي ...
"كملي ...."
"إن .... شاء الله" أقولها وتغلبني الرجفة ... تتقطع الكلمات على لساني ... تتبعثر ... لم اعد اسمع ما اقرأ .. لم اعد أدرك ما حولي
أراها مستلقية أمامي ... بالنزع الأخير ....
"أقرا لج ياسين"
تغمض عينيها ايجاباً ... حتى أقرأها .. فلم تعد قادرة على الكلام ....
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (48) مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50)
وتغمض عينيها .... كأنها تلح بالدعاء ... كأنها تطلب القبول ... كأنها تطلب الرحمة من صاحب الرحمة
اصمت
"تعبتي حبيبتي ... تبين ترتاحين .... "
تهز رأسها نفيا
"أكمل؟"
تنظر لوجهي ... مشفقة على حالي ... تعلم ما سأواجهه لاحقا ..... تبحث عن أماني المفقود في عيني .... والموجود بين أحضانها
لا زلت اسمعها وهي تسألني " شبتسوين لين رحت"
..............................
"كملي يمه"
انتبه .... وأعود من هناك ... انسحب من دهليز الذكريات ... لتنطفئ شمعة كانت مضاءة في روحي لوهلة .... انظر لوجه أمي ... هل قرأت ما ارتسم من أفكار على وجهي ... هل تعلم أين كنت ....
فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (54) إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)
فأجهش بالبكاء ... كما بكت هي ... وكما تبكي أمنا الآن
اترك المصحف ... احضنها .. " يمه الله يخليج لا تصيحين ... ما اقدر اشوفج تبجين ...."
"يمه شلون ما اصيح ..لا تقولون لي ما اصيح ... هذي ضـ .... نا..ي"
"ارتاحت ... وإن شاء الله راضي عليها برضاج .... وشفتي بشائر القبول بعيونج ... الله طمنا عليها"
"الحمدالله .... الله يصبرني يا أمي ... الله يمسح على قلبي"
أقبل رأسها ... " إنتي عشان تعبانه اهي تطري عليج وايد"
" وآنا متى نسيتها يا يمه...... متى؟؟؟"
"أدري حبيبتي ... أدري"
ترفع عينها ... تتأمل بصورتها المعلقة على الحائط أمامها ... تتنهد وكأن لم يبقى من الحديث شيئا .. وقد فاضت عبراتها فكانت عن الف كلمة
وكأنها لم ترحل أبدا ... أقف هناك بجانب أمي ... مترقبة دخولها بين اللحظة والأخرى ... خطواتها على السلم تتسابق حتى تصل لحضن أمي ... وصوتها يطلب الدواء ... تتداخل كل الذكريات ... مرها وحلوها ...
هي تموت ... أمي تبكيها ... أنا اسجد شكرا لله .... رائحة العزاء ... صوت مشاري العفاسي .... واتشاح الكل بالسواد .....
وصمتي ..... رغم الألم
رغم عويل الروح
رغم ارتجافات القلب الحزين ... واختلاجات انفاسي وانا ابحث عن وجهها بين الوجوه
.........
ابتسم لصورتها ... كما تبتسم لي ....
نعم انتِ الآن افضل حالاً
وتلتحفني رائحة الطيب .... لا اعرف من أين أتت
هل كانت هناك فعلا ................
تبتسم لي